مهرولٌ بقدمٍ واحدة
في الحالتين سأصل، نعم، وكما يُقال: «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكن ليست كل الطرق تؤدي إلى نفسي.
الوجود يعكس بعضه، وما خفي في موضع يظهر في موضع آخر. وليس بين المرء والحقيقة إلا أن يمدّ يده إليها، ويُلقي سمعه لوشايات الوجود في نفسه وحوله.
لذلك حين تلتبس عليّ الأمور وتختلط الحقائق، أميل إلى الانسحاب والصمت، وأُجيل بصري وفكري حتى يفتح الله لي ويريني الحق في المسألة التي أرجو. أحيانًا أجد الحقيقة في اللغة حين يكذب كل شيء وتصدق، وأحيانًا في مشهد من مشاهد الحياة، وإن لم يبدُ لرائيه أنه موضع من مواضع التجلّي الذي قد يهدي الله به حائرًا ويرشد ضالًّا. فسبحان الرحيم.
ما زلتُ أختار… أن أتوقف لأمضي، وأصمت لأتكلم، وأخفى لأظهر. وأعي أن قفز الإنسان إلى أمر دون أن يسبقه بضده يجعل منه مهرولًا بقدم واحدة، وتلك وصفة شقاء مضمونة. هل الأمر سهل؟ قطعًا لا، بل هي حرب يومية أخوضها لأحتفظ بحقي في أن أحيا كُلًّا لا جزءًا، في عالم ينازعني وجودي.
أخوف ما أخافه أن أنسى معاركي… ولذلك شيّدتُ لنفسي صروحًا بين أيامي تذكّرني بها.
حين تُلقي عليّ الأيام بطولها وثقلها، وأجد نفسي مستنزفة مرهقة آخر اليوم، أودّ فقط أن أعود إلى المنزل بأسرع طريقة، وأجدني أمام خيارين إما طريق سريع مزدحم وقبيح، وإما طريق أطول لكنه أهدأ وأجمل، يُفتِّق في نفسي مكامنَ خفيت تحت ركام الهرولة.
أُرغم نفسي بين الحين والآخر على الطريق الأطول، أبتدئه مرغمةً مكرهةً وأُنهيه شاكرةً حامدةً. في الحالتين سأصل، نعم، وكما يُقال: «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكن ليست كل الطرق تؤدي إلى نفسي.
أنهج هذا النهج مع النصوص كذلك؛ فالنص عندي ليس مجرد الكلام المكتوب، ومن حصر النصوص في حروفها فقد ضيّق واسعًا واختزل رحبًا. النصوص تولد من لحظات تسبق حروفها، وللكاتب أن يدري بلحظة انتهاء الكتابة بشهادة الحروف والكلمات، لكنه لا يدري بلحظة ولادة نصه. يشاء الله للنص أن يولد ويتكوّن وينضج في رحم لحظات الإنسان، ثم يموت وتُعلن نهايته حين يُكتب، ليبدأ حيوات جديدة في نصوص أو نفوس أخرى.
حتى النصوص هي الأخرى تموت لتحيا!
لا أُنكر أني احتجتُ وقتًا لأدرك هذا، ووأدتُ في سبيل ذلك نصوصًا كثيرة لمّا غاب عني هذا المعنى، كما يغيب عن كثير غيري.
في لحظة من لحظات الفضول الشيطاني، قررتُ أن أُعمل الذكاء الاصطناعي في منطقة حرّمتُها عليه؛ وهي نصوصي. كنتُ قبلها أستعمله كثيرًا لكتابة أمور تقنية وإنجازها، أمور لا حياة لها ولا موت.
تسلل إليّ مع الوقت داء الاستعجال والسرعة، لأن القدرة على استعمال أداة كهذه تطوي الزمن تُقلّل صبر الإنسان على ما يتطلب رويّةً ووقتًا.
كنتُ في كل مرة أهمّ بنص أقف أمام صفحة بيضاء لا سبيل لي إلى ملئها بشيء يستحق إلا إن مكثتُ وقتًا ليس بالقليل، أفكر وأتأمل وأجتثّ كل معالم البطء من لحظاتي لأروي بها كتابتي. وفي كل مرة كنت أرفع راية الاستسلام لأن «لا وقت لدي»؛ فهذه الساعات التي سأقضيها في نص بإمكاني أن أنجز فيها عملًا ليس بالقليل. ثم خطر لي خاطر وسواسي: «لِمَ لا أجرّب الذكاء التوليدي هذا مع النصوص؟ لعله يساعدني بشيء».
أعرته قلمي وعقلي، وجرّبته. ولم يكن بيني وبين نصوص تشبه نصوصي إلا فكرةٌ… وزرٌّ… وبضعُ دقائق، عِوضًا عن أيام وحتى أسابيع كنت أقضيها لأكتب نصًّا.
تأملتُ النصوص المولّدة وقلّبتها، فزلزل الأمر كياني الكتابي، ولا أُنكر ذلك — رغم أني مهندسة. لم أكن أعبأ بقدرات الذكاء الاصطناعي في مجالي لأنه لا ارتباط وجداني بيني وبينه، لكن أن تطال هذه الأداة كتاباتي؟
مكثتُ أيامًا أحاول تخطي الأمر، وشهورًا أحاول أن أستعيد إيماني الكتابي. وفي كل مرة كنت أشرع في الكتابة كانت تباغتني سؤآلات الجدوى: إن كانت «كل الطرق تؤدي إلى روما» فلِمَ أسلك طريقًا وعرًا وطويلًا؟ هل بقي للوصول إلى روما قيمة أصلًا؟ وهكذا كانت كل محاولة كتابية تنتهي بجدال عقلي وأخلاقي لا ينتهي.
وكغيري من المهرولين في هذا العالم، اخترتُ أن أهرول عوضًا عن التوقف ومواجهة هذه التساؤلات. حذفتُ النصوص «المولّدة» وكل ما يمتّ للأمر بصلة، ودفنتُه، وتوقفتُ عن الكتابة زمنًا.
غابت عني الكتابة وغبتُ معها، وكما استُدلّ بالتفكير على الوجود، فإني أتخذ الكتابة سبيلًا إلى الوجود.
ثم تنبهتُ إلى أن وجود الذكاء الاصطناعي صار ينازعني لحظات التفكير والتأمل، لأن الأوقات التي كانت مشروعة لهذه اللحظات فقدت مشروعيتها في معظم نواحي الحياة. الأوقات المُعطاة تقلصت، وصار المعوَّل على كمّ النتائج وسرعتها. وأن تكون من أنصار الرحلة القبلية للأشياء فتلك معركة شاقة قد لا تملك رفاهية خوضها.
قبل أيام شرعتُ في العمل على أمر جديد، وكان أول قرار اتخذته أني سآخذ وقتي في «ما قبل». سمحتُ لنفسي أن أسأل وأُسائل، وأتتبع الإلهام وأنبش عن المعنى، لئلا يبتلعني سعار الركض المحموم نحو النتائج بغض النظر عن القبليات. ثم اتخذتُ قرارًا حياتيًا بأن أعتنق نهج الفكرة الناضجة والقرارات المدروسة، دون بطءٍ شديد يعدمها أو سرعةٍ تسحقها.
الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة تطوي الزمان، لكن إعمالها في كل شيء حمق محض، فهنالك أمورٌ حقها أن تُختصر وتُطوى، وأمورٌ طيُّها واختصارها يُخلّ بوجود ما بعدها. والنتائج ليست منبتّة عن المقدمات التي تسبقها.
عدتُ إلى القبليات بثرائها ومعانيها، وعادت لي الكتابة طوعًا. فقيمة النصوص فيما قبلها، وكل طريقٍ يؤدي إلى نصٍّ مختلف.
والكلمات صروح تدلّ على حياة قائلها، يبثّ فيها من روحه وينفخ فيها من شعوره. وإن كانت الآلة تزيد الظاهر ظهورًا، فإن الكاتب يكسو الخفاء ظهورًا، وشتان بين هذا وذاك. وحين نقرأ النصوص فإنا نلتمس الخفاء، ونحاول مصافحة ما وراء اللغة وما قبل النص.
ونصٌّ لا قبل له عند كاتبه فلا بعد له في النفوس.