صوت الرتابة
ماذا لو أنَّ للمرء موارِدًا أُخرى للحياة تُسلب وتنهب ويُراد لها الخراب، وهو راكِن مُستكين يُعَوِّل على ما يُقيم بدنه زاهِدًا في الزاد الذي لا قيام لروحه إلا به؟
الساعة 7:30 صباحًا، الشمس في باكورة طلوعها، الجو لطيف. جلستُ إلى كُرسي في المتروبوس بجانِب الباب. كُنتُ أسرح في تأمل النافِذة حينًا وفي تأمل الناس حينًا آخر. ذاك يُمسِك هاتِفه بشغف شديد حتَّمه عليه حماس اللعبة، والأُخرى تضع سماعتها وتقلِّب هاتِفها مُحتارةً لأي شيء تستمع وآخر يتنقل بين التطبيقات، باحِثًا عمَّا ينشغل به أو يفرَّ إليه. أثناء ركوبي المواصلات يصعُب عليَّ أن أقرأ أو أستمع لشيء؛ لأنها لحظات رتيبة جدًا وخفوت صوت الرتابة يجعل كل ما عداها مسموعًا فيكتظ عقلي بأفكارٍ وتساؤلات تحول بيني وبين التركيز في شيء.
هل يشعر أولئك أيضًا بمثل ما أشعُر؟ غير أنهم اختاروا أن يُصموا آذانهم عن سؤالاتهم ويديروا لها ظهورهم مُختبئين خلف أي انشغالٍ صوري.. لا أدري.
في أشدِّ لحظات الحياة اعتياديةً وأكثرها رتابة، يبزغُ عليَّ سؤال الحياة ومدى تحقق وصفهِا فيَّ وفيما حولي. أُطِل على دواخِلي فإن وجدتها نابِضةً مُزدهرة تتقدُ معنىً وتفيض شعورًا علمتُ أني بخير. ثُمَّ ألتفت إلى ما حولي، مُتطلِّبةً ذات الأمر فإن لم أجده علمتُ حتمًا أنه مكان ميَّت أو على الأقل ليس بالحي.
للحياة موارِدها التي تتباين من حيث ما تهِب لوارِدها من حياة. أكثرها جلاءً مالا حياة لأجسادنا إلا بِه، يُجمع الناس على وجوب حمايتها والذود عنها ولرُبما حتى الموت في سبيلها.
لكن ماذا لو أنَّ للمرء موارِدًا أُخرى للحياة تُسلب وتنهب ويُراد لها الخراب، وهو راكِن مُستكين يعول على ما يُقيم بدنه زاهِدًا في الزاد الذي لا قيام لروحه إلا به؟
لفترة طويلة عوَّلتُ على العِلم بصفته مورِدًا من موارِد الحياة، آمنتُ أنَّ في كُل عِلمٍ -مما يصدُق عليه وصف عِلم- نفحة من نفحات الحياة. لذلك لم تجد العلوم صعوبةً في إيجاد طريقها إلى قلبي، أحببتُ العِلم حُبي للحياة.
في الثانوية كُنتُ أتطفل على المعارِف فأُصيب منها بقدر تطفلي. وهج يُشع في قلبي يُرى انعكاسه في عينيَّ، أشعر بالفكرة وهي تهز وجداني ويطرب لها فؤادي وتروى بها نفسي. تحرَّقتُ شوقًا وتلهفت فضولًا لدخول الجامِعة، لم أكن لأريد أكثر من مكان جامِع للعِلم وأهله أنفذ به للعِلم.
شمَّرت عن ساعداي، أديتُ الاختبارات وحصَّلت الدرجات. لكنَّ ذلك لم يكن كافيًا، فإني -والحمدلله على السلامة- لم أكن خريجة نظام مدارس عالمي. فقيل لي أني لابُد أن أمتلك “لغة” لأتمكن من التعلم. ياللبجاحة، وكأنَّ ما تنطق به ألسنتنا شيء آخر غير أن يكون لغة.
على كل حال، لم آبه بذلك الشرط كثيرًا. يُريدون أن نتعلم لُغة الأعاجِم؟ وليكن، المُهم أن أصِل في نهاية الأمر لمطلوبي.
مرَّت الأيام، وقدر الله لي أن أكون أن أكون طالِبة جامعية. كُنتُ أشعر ببهجة عارِمة برؤيتي للأمور وهي تتجلى والطُرق وهي ترتسم. ومازِلتُ أندهش دهشتي الأولى في كُل مرِّة أتأمل العِلم والتعلم.
إلا أنَّ الأمر لم يكن كما تخيلت، غمرتني الجامِعة بمتُطلباتها ووجدتُ نفسي في ركضٍ لا يسعني معه تفقد آثار الحياة فيَّ. كُنتُ أشعُر بشيء يتسَّرب مني مع الأيام، شيء فيَّ خبا بريقه وخفت وهجه.
علِمتُ عِلمًا لا يسع معه الشك، أن هُنالِك خطبًا ما. أصلحتُ كل ما طالته يدا الوِسع، نوّعت وعدلت وغيرت حتى ما بقي شيء. يُقبل عليَّ الفصل فأشعر بحملٍ ثقيل يحط رحاله على سواعِدي، يجفُّ فيَّ معه كُل شيَّ، وأشعر بخواء عظيم -بمفارقة- يملؤني.
أهي ضغوط المرحلة؟ أم أزمة العشرين؟ لم أجِد بُدًا من تنحية شعوري ومعه كل أسئلتي، وجعلت شِعار المرحلة أنَّ المُهم هو المُضي.
صادفتُ يومًا جارةً لي ذاهِبةً للجامِعة هي الأُخرى. فتاة هادئة وحيّية، قدِمت وأخواتها من لبنان للدراسة. تبادلنا الأحاديث في الطريق، اتضح أنَّ بيننا مُشتركات كثيرة. حكت لي عن الأسى الذي يعنيه أن يُحرم المرء الدِراسة بلُغته وهو بين أحضان وطنه، فلُبنان تُدرس مناهج التعليم العام لديها بالفرنسية. وأنه لولا لُطف الله وحِرص والديها لما كانت تستطيع حتى القراءة بالعربية. فقدتُ تماسك كلماتي أمام ناظريها، في عينيها أسىً ولوعةٌ عظيمان. لا يقل الأمر شناعةً عن أن يُبتر لسان المرء ويُستأصل بلسان غيره، ومن سُلب لسانه سُلب وجوده.
حانت لحظة افتراقنا، توادَعنا ومضى كلٌ في طريقه. لم يخطر ببالي في حينها أنَّ معاناتها التي أفضت إليَّ بها قد تكون هي الأخرى من المُشتركات بيننا، خِلتُ كوني ما اضطُررت للغُةٍ أجنبية إلا في الجامِعة يُسلمني مما قاسته.
لم أكد أقُلِّب ما أثاره حديث الجارة في نفسي، إلا ورنَّ هاتفي مُذكراً إياي بقُرب وقت المحاضرة، ركنت أفكاري جانِبًا وعُدتُ لملاحقة مهامي.
كانت المُحاضرة عن أمرٍ شيق يعنيني ويُهمني، توقعتُ أن تُثير ذهني وتُحفز عقلي غير أنه ما أن انصرفت، حتى انصرف عني كُل قيل ونُوقِش وطُرح. وليس ذلك من طبيعتي بشيء، فإني إذا ما تعلمتُ شيئًا أظلُّ اسمع صدى تَطْوافِهِ فيَّ حتى يسكنني.
شغل السؤال حيزًا كبيرًا مني، حتى وقعتُ على على حلقة بودكاست حلَّ فيها الدكتور مختار الغوث ضيفًا. طرح أمورًا مختلفة متعلقة باللغة، ومن أهم ما أشار إليه التعلم باللغة الأم وفرقها عن غيرها.
قاربتُ بين ما سمعت وعايشت، ووجدتُ الأمرَّ منطقيًا جِدًا. فإنَّ حال الإنجليزية معي حال كل ما هو أجنبي عني، ما أن أتعلم أمرًا بها و أكاد أفهمه وأتصوره حتى يرتَحِلَ عني فور فراغي منه. ولا أعني بارتِحاله أني أنساه بالضرورة، إنما لا يكون حاضِرًا فيَّ ماكِثَّا في خُلدي. إن أردتُ استحضاره تكلفت ذلك وتقصدته، ولا عجب أن يعقب ذلك شعوري بالخواء في الأيام التي تكون الإنجليزية مهيمنة على كل ما أقرأ وأسمع.
وما أبعدَ ذلك مِما يكون بالعربية إني لأقرأ الشيء بها، فتنقدح شرارة المعنى في ذهني في أتم صورة وأجلى شكل. وأشعر بالفكرة وهي تمدُ أواصرها إليَّ مُتصلةً بوجداني لتُثير مكامن نفسي وتجوب دهاليز عقلي مُحدثةً صخبًا واضطرابًا أشعر معه بشيء من الحياة.
ولا يقتصر الأمر على التلقي، فحين أُريد الإبانة عن فكرةٍ هي وليدة تفكيري بالعربية واضطرني السياق لأسكبها في قالب إنجليزي أجدني مضطرة لتشذيبها وتقليمها حتى تتلائم معه. ثُمَّ أراقبها وقد تشوهت وصارت إلى شيء آخر، وهكذا تمضي رحلة التعلم وأنا أقول ماليس بقولي. والذي أؤمن به أنَّ الأمرُ لا يعودُ لمدى تمكن المرء من لسان غيره وحسب، إذ لو تمكن من لغةٍ ما تمكن أهلها-على فرض إمكانه- لارتفع عنه ما وجدتُ بل هي غُربة لغوية وصفها ولوازمها لصيقة بالمرء متى ما تغرَّب لسانه.
أشعُر بامتعاض شديد وبأسىً بالغ كلما بَصُرتُ بنفسي وهي تُنحَّى ما نُحيَّت العربية. أسمعٌ ما أصِله ولا يصلني وأقول قولًا ولا يقولني. وإنَّ المرء لكامنٌ محجوب بأستار خُلده وحُجُب سريرته، حتى يُبين فإن أبانَّ تجلى ورؤي وبُصِرَ وتَبَصَّر. ولا يكون ذلك بتمامه وكماله بغيرٍ لسانٍ يُبين عنه، ولا يكون ذلك بغير العربية.
وهكذا وجدتُ نفسي أمام علومٍ لا آصِرةَ لي بِها، ونفسٍ طال عليها أمدُ الخفاء وحِرمان التجلي.